|| يوم غائمـ في البر الغربي ||



 
كنت متخوف أن ينتابني الملل من طولها فقد تجاوز عدد صفحاتها 500 صفحة و لكن اي ملل قد ينتابك و أنت تقرأ ما كتبه محمد المنسي قنديل

يوم غائم في البر الغربي هذه الرواية البديعه التي إنبرى لها قنديل مازجا بين التاريخ الحقيقي و بين فتاة جائت من أسيوط لتخوض مغامرة غير محسوبة بالمرة

لا اخفي أن هناك خلافا في وجهات النظر بيني و بين الكاتب في بعض الاحداث و أن هناك أمورا لا يقبلها المنطق و لكن الإبداع ظل يقطر من كل صفحاتها.

من أين نبدأ هذا اليوم الغائم .. دعوني أثني كثيرا على براعة قنديل في الوصف ، وصف كل شيء .. كيف إستطاع محمد المنسي قنديل ان يعود بالقارئ مائة عام للوراء حتى يخيل لكـ انك لو فتحت الباب ستجد الفيضان قد أغرق الدلتا و ترى المثقفين يطالعون مقالات مصطفى كامل ضد اللورد كرومر

كيف إستطاع ان يجعلك تتمنى ان يجتاح الفيضان مدينتك في صبيحة اليوم التالي .. كيف جعل الفيضان صديقا حميما.. لقد جعلني قنديل من براعة وصفه ان ابغض هذه التكنولوجيا التي محت جمال الطبيعة الخلابة ..



تفاجئت عندما وجدته قد وجه دفت الرواية بعيدا جدا .. هناك في طيبة و أخت آتون .. هناك في وادي الملوك حيث كان كهنة آمون يكنون الغضب على إخناتون بعد توجهه لعبادة آتون عوضا عن آمون .. لقد قرأت عن هذا و لكني لم اراه كما صوره قنديل

إخناتون الذي ترك طيبة وراءه و بحث عن مدينة نظيفة لا حروب فيها و لا شر .. كم أشفقت عليه .. كيف تستطيع ان تواجه كل العالم الشرير بفكرة طيبة .. لقد كانت النهاية طبيعية هي الهزيمة.

و يستمر الإبداع في وصف مصر القديمة .. لقد تحسرت انني لست من مواليد الأقصر .. لتكون نشأتي في وادي الملوكـ

 
اي بعثرة في الافكار التي أكتب بها الآن ؟ .. لله درّك يا قنديل لقد افقدتني القدرة على سرد الأحداث

القصة تبدأ من هناك .. من نجع بني خلف في أسيوط عندما قررت أم عائشة أن تفعل شيئا مذهلا لقد ذهبت بعائشة و دقت على معصمها صليبا كبيرا و أخبرتها أن إسمها ماري و لم تفق عائشة من الصدمة حتى وجدت نفسها في مدرسة الراهبات الأمريكية بأسيوط بصفتها مسلمة أعلنت مسيحيتها و تخشى غضب أهلها .. تركتها أمها هناك و رحلت بعد أن أخبرتها أن الدين في القلب أما في بيتهم هناك وحش يريد جسدها و هي لن تستطيع حمايتها إلا بهذه الطريقة.

و من هنا نجد شخصية عائشة الغريبة تلك الشخصية التي لها القدرة على التكيف .. تراها في الصباح في صلاة الساعه السابعة مخلصة كأنها ولدت في كنيسة العذراء .. لم يكتشف أحد أمرها حتى عندما طردت من المدرسة لم تطرد لأانهم إكتشفوا أنها مسلمة

 
يباغتني قنديل مرة أخرى عندما أجد الأحداث تضع ماري أو عائشة في قصر اللورد كرومر البغيض .. من هذه ؟ عائشة  من نجع بني خلف إلى مترجمة شخصية لـ الليدي كاترين و اللورد كرومر .. لقد كانت بارعه لقد تعلمت في المدرسة الأمريكية كيف تتحدث بالإنجليزية.



لو إستمريت بهذه الطريقة في السرد سأظل عدة أيام في الكتابة .. لقد وضع الكاتب يديه على فترة مجهولة في تاريخ مصر .. سيطرة الإنجليز البغيضة على مصر .. نضال مصطفى كامل و محمد فريد من بعده ..

التنقيب الدائم في وادي الملوكـ على كل ما هو فرعوني ..البحث الذي لا يتوقف عن مقبرة الفرعون المارق إخناتون

كيف تورطت عائشة في كل هذا .. ؟ .. كيف إستطاعت أن تعيش بإسم غير إسمها و دين غير دينها ..

هذه هي فكرة الرواية الأاولى من وجهة نظري .. كيف تستطيع أن تعيش بلا هوية ؟

الكاتب لم يتوقف عن التجول بين القرن التاسع عشر و بين طيبة و إخناتون ، البعض يعتبرها سلبية و لكنها أمتعتني كثيرا ..

لابد أن تشفق على عائشة في لحظة واحدة فقدت كل شيء .. و كأن أمها لم تفعل شيئا

كانت عائشة كروح هائمة تبحث عن جسد ...

عائشة التي ذاقت الحب و الخيانة ..

و أنا بوصفي هذا يبدوا أنني أفسدت الرواية .. الرواية أكثر إبداعا مما أحاول إخباركم به ..

و لكن إبداعها أفقدني صوابي في الوصف و التحليل ..

هي وجبة دسمه لمحبي القراءة .. جمعت بين التاريخ القديم و الحديث و بين الحب و الخيانة و بين وصف الطبيعة البديعة قبل أن تجتاح التكنولوجيا كل شيء

لقد إمتلك محمد المنسي قنديل كل أدوات الإبداع عندما كتب هذه الرواية .. فخرجت نصا لا يختلف عليه إثنين

إبداعه جعلني أشتاق إلى آلة زمن تضعني يوما في طيبة القديمة و يوما على محطة القطار اشاهد اللورد كرومر و هو يخرج مهزوما من مصر و يوما أخيرا في وادي الملوك لأرى هوارد كارتر يستعد لفتح أهم مقبرة فروعنية بعد بحث دام ربع قرن..

كل هذا السجال الطويل من الأحداث لم يشتعل لأنه بدأ في يوم غائم فقط و لكنه كان غائما .. في البر الغربي ..



مصطفى أبوزيد

AUG, 7, 2010