" عندما يتحول صالون الحلاقة إلى صالون سياسي "
خرجت هذه الجملة للنور من في فمي بعد عودتي من صالون الحلاقة في المرة الأولى بعد تنحي الرئيس المخلوع بأمر الشعب ( حاجة كده زي الحاكم بأمر الله ) ، و الحق أن المخلوع خلع في فبراير و حلاقتي التالية كانت في أواخر أبريل.
تخيل نفسك بعد 8 ساعات عمل و ساعة و نصف في المواصلات القاهرية تذهب لصالون الحلاقة لتهذب شعرك فتجد ستة أشخاص يتحاورون بلا توقف عن كل امور السياسة و كأنهم تخرجو من أعتى المعاهد السياسية في أوروبا و آرائهم السياسة التي لا ترضي عدو و لا حبيب. بل و زادوا في إبداعهم بالتطرق لثورات اليمن و ليبيا و البحرين " آه يا دماغي "
يقول الدكتور أحمد خالد توفيق " أسوأ تعذيب في العالم هو الشخص المصر على الكلام بينما أنت مثقل بالهموم ، و ترغب أن تبقى صامتا و أن تستمع لأفكارك"
آه يا دكتور لو تخبرهم ، و لكن صدقني كانوا سيجرونك للحديث معهم و سأضر حينها أن أستمع لشخص سابع معهم .
هذه من إنجازات الثورة أن تدخل الصيدلية و المخبز و السوبر ماركت ، فتجد الجميع تحولوا إلى نوارة نجم و عزمي بشارة و إبراهيم عيسى و محمد البرادعي ، و ترى ربات البيوت بعد أن ينهين أعمالهن يجروا الإتصالات الهاتفية بكل برامج التوك شو ليبدين وجهات نظرهن السياسية و الافتصادية في كيفية إسترجاع الأموال المنهوبة من الخارج .
نتيجة لذلك صدقوني لم أذهب للحلاق حتى الان منذ أبريل و قاطعت كل برامج التوك شو و لم أقرأ جريدة منذ أول مايو تقريبا و أكتفيت بمتابعة التطورات كلها عن طريق ما يكتبه الناشطون الموثوق فيهم عبر تويتر.
سأحدثكم عن موقف حدث بالفعل يوم الجمعة الماضية - كنت في طريقي إلى المستشفى الجامعي بأسيوط لزيارة والدي شفاه الله و عفاه و لسوء حظي جلس خلفي ثلاثة أشخاص لا يعرف بعضهم الاخر و بدأوا في حديثهم السياسي ، و الأدهى أن لثلاثتهم ثلاثة وجهات نظر مختلفة عما يحدث في مصر الان ، يا الله سأضطر لسماع ثلاث وجهات نظر ، قلت ربما حديثهم يمرر ساعة السفر سريعا و مع أولى الجمل لكل منهم شعرت أني سأصاب بإنهيار عصبي لو إستمريت في الإستماع لهم لمدة ساعة كاملة.
لم أجد ملجأ إلا أن أستمع لأي شيء في هاتفي المحمول و صدمت حين تذكرت ان الهاتف يخلو من أي شيء إلا من أغنية كنج كونج لأبو الليف لم أتردد و وضعت السماعات و أستمعت للأغنية التي تذهب العقل جنونا لأكثر من 15 مرة مفضلها على الاستماع للحديث في الكرسي الخلفي لمدة ساعة ، وصلت الى المستشفى و عند دخولي من البوابة سألني موظف الأمن " رايح فين يا أستاذ ؟" أجبته بهدوء " أنا مش خرونج " و دخلت وسط ذهول الرجل.
لم أكن أتخيل أن النظام الساقط المنهار كان يربط ألسنة الناس بهذا الشكل الذي جعل الجميع يتحدثون ولا يستمعون ، ليس هذا مرض العوام فحسب بل الأمر إمتد لأهل الساسة و المكر و النشطاء. فتجد الجميع يتحدث و لا يستمع أحدهم للآخر فلا يذكره إلا لذكر عيوبه.
لا أدري كيف يتحدث الناس عن مصالحة و حوار وطني و الليبرالين لا يروا الاسلاميين إلا أشخاص سيحولوا الدولة إلى مذابح بإسم إقامة الحدود و سيكبلوا كل الحريات بإسم الدين و الإسلاميين يروا الليبرالين دعاة انحلال و مجون و ترك للدين و نهي عن المعروف و أمر بالمنكر ، فلا الاسلام يقيد الحريات و لا الليبرالية المعتدلة تدعوا للانحلال و لكن من يسمع ، من سيسمع و الكل يتحدث.
قرأت منذ يومان جملة لعلاء الاسواني علمت مدى صدقها الآن و أنا أكتب هذه التدوينة ، يقول الأديب العالمي " في داخل كل مقموع يكمن طاغية صغير يتحين الفرصة لكي يمارس و لو لمرة واحدة في حياته الإستبداد الذي مورس عليه " آه ع الحكم يا دكتور آه
و بلا شك نتيجة لأن كل الشعب كان مقموعا بلا تفريق فلا عجب أن تجد الكل يتحدث و لا يسمع للآخر و يمارسوا إستبدادهم الفكري على من يخالفوهم الرأي
و في النهاية أقول لكل اللي بيتكلموا كتير سقراط حين قال " تكلم حتى أراك " لم يكن يقصدكم أنتم أبدا .. أبدا .. أبدا
مصطفى أبوزيد | 1 يونيو 2011