في التدوينة السابقة ( القاهرة .. البداية ) سردت مختصرا كيف كانت بداية علاقتي بالعاصمة التي تسحر الناس و كيف كان موقفي الأول منها و إنطباعي الذي ظننت انه لن يتغير ، و ذكرت كيف حملتني الأيام لأعود إلى القاهرة مجبرا بإختياري بعد تخرجي من أجل البحث عن عمل و قد كان أن وجدته و حزمت أمتعتي إستعدادا للإستقرار في عاصمة الضجيج و الصخب كما كنت أعتقد.
في منتصف مارس من العام 2010 كنت قد حصلت على الموافقة النهائية لقبولي للعمل في إحدى الشركات الإسبانية ، لم يكن امامي فرصة للتفكير في الرفض ، فالعمل في مكان عالمي كأول عمل بعد التخرج شيء لا يمكن رفضه في مصر و خاصة بعد إجرائي لمقابلات في أماكن تفتقر لمبادئ الإحترافية ، كانت المشكلة الوحيدة هي القاهرة و لكني حسمت أمري بالموافقة و تصافحت أنا و مديري البرتغالي متفقين أن أول أيام العمل سيكون يوم 6 ابريل 2010.
كنت اود أن أرسل خطاب إعتذار لحركة 6 إبريل - التي لا أعرف أحد من أعضائها - أعتذر فيه اني لن أستطيع المشاركة في الإضراب السنوي و الذي كنت أمني نفسي أن أشارك فيه حين أحصل على عمل ،و لكن القدر رفض مشاركتي فليس من المنطقي أبدا أن تقوم بإضراب في يوم إستلام عملك و الطريف أن في 6 أبريل التالي كانت قد قامت الثورة فلم تكن هناك دعوات للإضراب أصلا.
ما علينا ، سافرت إلى القاهرة في اول أبريل يلفني الهم أرسم في مخيلتي صورة كاملة لزحام المواصلات الممزوج بحر الصيف و رخامة القاهريين بتوع بحري ، آه يا أيامي القادمة ، كان عملي ممتد من التاسعة صباحا حتى الخامسة مساءا ، كان لا يعكر صفو العمل في الأيام الأولى إلا رخامة المواصلات و لجنوبي مثلي كان الإنتظار في إشارة مرور لأكثر من 5 دقائق أمر يثير الحنق بشدة ، ففي أسيوط إشارات المرور لا تعيقك عن المرور إلا لستين ثانية ، ناهيك عن زحام المواصلات العامة و رائحة العرق التي تعمي عينيك و تطرح عليك السؤال المهم ، لأي مدى يقتنع هؤلاء الناس بجدوى مزيل العرق ، الأمر لا يكلف كثيرا لتصبحوا مثلي بلا رائحة عرق ، كنت أعود إلى المنزل أبحث عن سريري الوثير لأنام حتى الصباح إستعدادا لتكرار نفس اليوم من البداية.
مع مرور الوقت بدأت في التعود على رخامة المواصلات و كان الإنتظار لا يقتلني مثل أيامي الأولى ، و كنت أحيانا أتجاذب أطراف الحديث مع الركاب المملين و كان كل منهم يحمل ألف حكاية لا تجلب إلا الهم و الغم ، رغم كل هذا كنت أحس بشيء مختلف في القاهرة ، كنت أشعر ببعض الحرية ، الحرية الإجتماعية و ليست السياسية و الدينية أيامها لا سمح الله ، إجتماعية لأن كل واحد في حاله ، تفعل ما تفعل و لا تلاحقك أعين الناس و ألسنتهم و يمكن لأهل الصعيد أن يخبروك إلى أي مدى لازم تعمل حساب الناس في كل تصرفاتك.
كان مؤنسي الأول في الغربة و الوحدة هي القراءة ،كانت بعض الروايات تتجاوز الـ 500 صفحة و أقراءها في 3 او 4 أيام ، و كنت أشعر بمتعه شديدة و سعادة حين أمر على المكتبات فأجد من الكتب ما لا كنت أحلم به في الصعيد ، كل الإتجاهات الأدبية و السياسية و الشعرية ، كل شيء متاح ، و لشخص مثلي يحب الأدب و القراءة كانت هذه نعمة واجبة الشكر و كنت أؤدي شكرها بشراء الكتب تقريبا أسبوعيا.
في القاهرة يجب أن يكون لك أصدقاء ، لا يمكن أن تعيش وحيدا فيها ، و لكن حين يمنحك القدر نفس أصدقائك أيام الجامعه فهذا شيء مثير للسعادة جدا ، حين لا تكون مضطرا لعقد صداقات مكانية جديدة ، تسرد فيها كثيرا عن حياتك ، جميل أن تجد أصحابك القدامى على بعد شارع واحد.
بعد مرور بعض الوقت و بعد ظهور هذه المميزات في العاصمة ، تقفز إلى ذهنك صورة موطنك الأول و تبدأ المقارنة الطبيعية بين الأماكن. فـ لمن الغلبة ؟؟
لن أطيل عليكم فالشهر طويل و حملة التدوين اليومي ممتعه و غدا يوم آخر،،
ألقاكم على خير
مصطفى أبوزيد | 7 يونيو 2011



