" و أنا الذي اخترع الرسائل
لست أدري كيف أبتدئ الرسالة "
مستعصية عليا الكتابة اليوم ، و اللغة ترفض أن تطاوعني ، و رأسي يمتنع عن الأفكار ، كل ما يطحن رأسي هو الذكريات التي تجول فيها ، يا فرج الله ! ، الذكريات .. سأحدثكم إذا عن البلاء الذي ابتليت به ، أو الميزة التي منحها ليا الله ، الذاكرة القوية ... جدا.
حين كنت طالبا في الثانوية العامة كنت فاشلا من الطبقة الأولى و لم أذاكر في السنتين إلا في الشهر الأخير فقط ، و بالرغم من ذلك حققت هدفي و دخلت الهندسة ، كان كل ما يشفع لي هو ذاكرتي القوية التي لا تنسى ما شرح في الدروس الخصوصية منذ بداية العام ، و كنت أفتخر بها دائما حتى بعد دخولي الجامعة كانت هي سلاحي الأول الذي منحني إياه الله لمواجهة انفلاتاتي التعليمية.
كنت لا أتوقف عن الفخر و حمد الله على هذه الذاكرة القوية حتى بدأت تتكشف عيوبها أمام عيني ، من البلاء الواقع أن تمتلك ذاكرة قوية عندما تدق على بابك الكروب و اللحظات و الأحداث السيئة في حياتك ، أنا هكذا لا أنسى أقل تفصيلة تحدث في أي موقف ، أتذكر الحدث بالصوت و الصورة كأنه فيلم تسجيلي يعرض أمامي ، أنا أتذكر أحداث مؤسفة حدثت قبل عشر سنوات و أخرى قبل 4 أعوام ، و الكثير غيرها.
أتذكر دموع إنهمرت أمامي و دموع ذرفتها و إغماءات و أحداث كم أتمنى أن أنساها أو أتذكرها بشكل ضبابي طفيف ، و لكن هذه الميزة كمن يدس السم في العسل ، فكما أنني لا أنسى أي تفصيلة في الأحداث السعيدة لا أنسى أيضا أقل تفصيلة في المواقف الحزينة ، مرّة حين كنت في الصف الأول الثانوي نسي أحد أصدقائي كتابه المدرسي و أراد الأستاذ أن يعاقبه فأستبقه صديقي قائلا " يا أستاذ .. علام تعاقبني ؟ سميّ الإنسان إنسان لأنه ينسى " فبهت الأستاذ و لم يعاقبه ، نعم سميّ الإنسان إنسان لأنه ينسى فما بالي مستودع ذكريات لا ينضب ، و بئر مذكرات لا يجفّ.
هل هذه شكوى؟ ، لا .. أنا لا أشتكي من هذه الميزة ، و لكنها ميزة قاتلة ، تمنحك كل شيء ، تَذًكٌر المفرح و المحزن ، الأشياء كما حدثت دون فرق تقريبا ، أنا لازلت و سأظل إن شاء الله أحمد الله على هذه النعمة ، ليست نقمة كما يمكن أن تتصوروا من كلامي السابق و لكنها نعمة تتحول أحيانا لأكبر بلاء يصيب الإنسان.
هذا البلاء هو أن تكون إنسانا لا ينسى.
مصطفى أبوزيد | 8 يونيو 2011



