" بيروت تقتل كل يوم واحدا منّا
و تبحث كل يوم عن ضحية ..
و الموت في مفتاح شقتنا ..
و في أزهار شرفتنا ..
و في ورق الجرائد ..
و الحروف الأبجدية .. "
كتب نزار قباني هذه الابيات في رثاء زوجتة بلقيس واصفا حال بيروت إبان الحرب الأهلية التي كان توزع الموت كما توزع الجرائد كل صباح ، لم يكن فقط موت بلقيس أحد نتائج الحرب الأهلية ، إنما هذه الحرب كانت مقدمة و ذريعة للإجتياح الصهيوني لـ لبنان عام 1982 .
في صباح 5 يونيو عام 1982 تقدم ما يزيد عن 1100 دبابة ميركافا تابعة للجيش الصهيوني أول الحواجز التي نصبتها الأمم المتحدة بكل سهولة جنوب لبنان ، و كأن يوم 5يونيو هو يوم نكسة العرب الذي إختارته إسرائيل لتذيق العرب طعم الهزيمة ، و أنا أخترت اليوم 10 يونيو للحديث عن الإجتياح الذي بدا قبل 5 ايام عام 82 لأنه اليوم الذي أصبحت فيه القوات الإسرائيلية على مشارف بيروت ، هذه الحرب المهينة التي وقف فيها العرب موقف المتفرج الأصم الاخرس الأعمى فدخلت إسرائيل هذه الحرب بقوات أكبر عددا من قواتها إبان حرب رمضان 1973.
كانت مصر مكبلة بمعاهدة السلام السخيفة التي و قعتها قبل أعوام قليلة و ظل كل العرب في موقف المتفرج بل و حتى المظاهرات لم تخرج في أي بلد عربي ، و المحزن أن المظاهرات خرجت منددة بالإجتياح داخل إسرائيل نفسها من جمعيات السلام الإسرائيلية ، خرجت المظاهرات بأعداد هائلة في الجزائر بعد أيام ليس نصرة لـ لبنان و إنما تنديدا للظلم الذي تعرض له منتخب الجزائر في مونديال كاس العالم 1982 و لم يكن حديث الشارع العربي إلا عن المؤامرة الألمانية لإخراج الجزائر من المونديال.
خرجت الجزائر منن المونديال و كذلك خرج مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان إلى تونس و دول أخرى و كسرت شوكة المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان و تم تدمير بيروت الجميلة بالكامل وتسويتها بالأرض بعد حصار و قصف بالمدفعية إستمر حتى سبتمبر 1982.
حتى لا ننسى الإجتياح الذي و قف فيه الجيش اللبناني على الحياد و لم يتدخل في الحرب حتى النهاية ، الإجتياح الذي خلف حوالي 30000 قتيل ، الإجتياح الذي كان الجيش السوري هو الجيش العربي الوحيد الذي يقاتل في لبنان ، حتى لا ننسى الجيش السوري الذي يقتل الآن شعبه بينما قبل 29 عاما كان يقاتل إسرائيل في لبنان.
حتى لا ننسى أن اول قمة عربية من أجل ما يحدث عقدت بشكل طارئ في فاس في شهر سبتمبر ، بعد ثلاثة اشهر من الإجتياح ، و بالطبع غابت عنها مصر و ليبيا بحماقتهما ، حتى لا ننسى أن نتائج هذه القمة كانت الإعتراف بدولة إسرائيل .
حتى لا ننسى أن رد إسرائيل على القمة العربية جاء بعد عشرة ايام ، كان الرد هو مذبحة صبرا و شاتيلا ، المذبحة التي ذبحتني حين قرأت تفاصيلها ، المذبحة التي قتل فيها حوالي 3000 مدني أعزل ، هذه المذبحة التي مرت مرور الكرام من تحت انف العالم ، المذبحة التي هي وصمة عار على جبين كل عربي حر.
أي ذل هذا الذي تحمله ذكرى الإجتياح ، ماذا كان سيحدث إن تدخلت مصر في هذه الحرب ، هل كانت ستؤول إلى ما آلت إليه، ألم يشعر الحكام العرب بعذاب الضمير يوم 16 سبتمبر عقب مذبحة صبرا و شاتيلا ؟ .
لو إستمريت في الكتابة عن الإجتياح لن أنتهي ، و سأذرف الدموع التي ذرفتها حين قرأت رواية الحب في المنفى للروائي الكبير بهاء طاهر، أدعوكم لقراءة الرواية التي كتب على ظهرها " و كأن الكاتب أراد أن يحفر في ذهن القارئ ما حدث حتى لا ينساه ابدا " و انا بالفعل لا أنسى ما قرأته أبدا.
غلاف مجلة التايم يوم 16 أغسطس 1982
لست أنا الشخص المؤهل ابدا للحديث عن الإجتياح و إنما إسمحوا لي أن أنبهكم لذكرى دائما ما ننساها ، من يريد الإطلاع على تفاصيل الأمر بالكامل يمكنه من خلال الرابط التالي من ويكيبيديا :
و من اليويتوب فيديو قصير يوضح عملية القصف و الإجتياح ( المشاهد ربما تكون غير ملائمة لأصحاب القلوب الضعيفة )
و يمكنكم الحصول على تفاصيل الإجتياح من اليوتيوب .
و غدا يوم آخر.
مصطفى أبوزيد | 10 يونيو 2011



